أبي حيان الأندلسي

20

البحر المحيط في التفسير

يجعل قول القائف حجة في دعوى النسب ، لأنه جعل علم التصوير في الأرحام لنفسه ، فكيف يعرف القائف صوره من مائه عند قيام التشابه في الصور ؟ انتهى . والأحسن أن تكون هذه الجمل مستقلة ، فتكون الأولى : إخبارا عنه تعالى بالعلم التام ، والثانية : إخبارا بالقدرة التامة وبالإرادة والثالثة : بالانفراد بالإلهية ، ويحتمل أن يكون خبرا عن : أن . وقال الراغب ، هنا : يصوركم ، بلفظ الحال ، وفي موضع آخر : فصوركم ، لأنه لا اعتبار بالأزمنة في أفعاله ، وإنما استعملت الألفاظ فيه للدلالة على الأزمنة بحسب اللغات ، وأيضا : فصوركم ، إنما هو على نسبة التقدير ، وإن فعله تعالى في حكم ما قد فرغ منه . ويصوركم على حسب ما يظهر لنا حالا فحالا . انتهى . وقرأ طاوس : تصوركم ، أي صوركم لنفسه ولتعبده . كقولك : أثلت مالا ، أي : جعلته أثلة . أي : أصلا . وتأثلته إذا أثلته لنفسك . وتأتي : تفعّل ، بمعنى : فعل ، نحو : تولى ، بمعنى : ولي . ومعنى كَيْفَ يَشاءُ أي : من الطول والقصر ، واللون ، والذكورة والأنوثة ، وغير ذلك من الاختلافات . وفي قوله : كَيْفَ يَشاءُ إشارة إلى أن ذلك يكون بسبب وبغير سبب ، لأن ذلك متعلق بمشيئته فقط . و : كيف ، هنا للجزاء ، لكنها لا تجزم . ومفعول : يشاء ، محذوف لفهم المعنى ، التقدير : كيف يشاء أن يصوركم . كقوله يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ « 1 » أي : كيف يشاء أن ينفق ، و : كيف ، منصوب : بيشاء ، والمعنى : على أي حال شاء أن يصوركم صوركم ، ونصبه على الحال ، وحذف فعل الجزاء لدلالة ما قبله عليه ، نحو قولهم : أنت ظالم إن فعلت ، التقدير : أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم ، ولا موضع لهذه الجملة من الإعراب ، وإن كانت متعلقة بما قبلها في المعنى ، فتعلقها كتعلق إن فعلت ، كقوله : أنت ظالم . وتفكيك هذا الكلام وإعرابه على ما ذكرناه ، لا يهتدى له إلّا بعد تمرّن في الإعراب ، واستحضار للطائف النحو . وقال بعضهم كَيْفَ يَشاءُ في موضع الحال ، معمول : يصوركم ؛ ومعنى الحال

--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 64 .